هل الغرب مجتمع “حضاري”؟

هل الغرب مجتمع “حضاري”؟

- ‎فيمثبت, مقالات خاصة

نوح ديار || خاص دمشق الآن

لاشيء من لاشيء، فلكل سبب مسبب، ولكل ظاهرة ما خلفها، ولعل من أكثر الأسئلة إلحاحاً في ضمير الشارع العربي لماذا تقدم الغرب وتخلفنا؟

السؤال: رغم ما فيه من مغالطة – مشروع جداً ومنطقي للإنسان العادي الذي يكاد وقته لا يكفيه سوى لتأمين حياته ومستقبله ومستقبل أبنائه، إلا أنه خطأ جسيم لكل متعمق في علم الاجتماع ولكل ناظر في تاريخ الحضارات.

وقبل الإجابة عن السؤال لا بد من طرحه بصورة صحيحة فالخطأ بحسب علم المنطق لا يمكن أن يؤدي إلى صواب، وصياغته الصحيحة تكون

لماذا” يبدو “لنا الغرب أكثر “تقدماً تقنياً وعلمياً “؟

وهنا لا بد من معرفة لمحة سريعة عن التاريخ القريب والواقع الحالي.

فبعد مئات ملايين القتلى من الهنود الحمر واستعمار الإنكليز للقارة الامريكية، وخلال القرون الثلاثة الماضية كان الرق في الولايات المتحدة الأمريكية يتّخذ صفة قانونية. فقد انتشر في أمريكا الشمالية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين، واستمر في الولايات الجنوبية، ولك أن تتخيل شعوباً كاملة تعمل لصالح شعوب أخرى على شبع بطنها، كم سيزيد هذا من الناتج الوطني والدخل الفردي والرفاهية؟

والأمر لم يكن بعيداً عنه في الغرب الأوروبي، فبعد أن استقر الوضع المادي والمعاشي والأمني فيه بدأ يخطط للتوسع خارج حدود بلاده، فهاهي كل من فرنسا وبريطانيا وإيطالبا وأسبانيا قد شنت حروباً متوالية من عام 1830 وحتى النصف الأول من القرن العشرين على كل من الجزائر واليمن وشبه الجزيرة العربية وتونس ومصر والسودان وليبيا والمغرب وسوريا ولبنان والأردن وفلسطين.

كل ماسبق كان استنزافاً للثروات العربية واستثمارها في بلاد الغرب، بل إننا نرى اليوم الأموال العربية تدفع بالمليارات من دول الخليج خاصة وتودع بالبنوك الغربية الأمريكية والأوروبية دون أن يكون المقابل شيئاً يذكر، ودون استغلال هذه الأموال لصالح الشعوب العربية التي هي بالنهاية شعب واحد يعيش على أرض واحدة.

وبالحديث عن “حقوق الإنسان” التي يتبجحون بها فإن الغرب كان ولا يزال يدعم أكثر الأنظمة استبداداً في منطقتنا كممالك الخليج فضلاً عن حروبه التي طحنت الملايين منذ حرب أفغانستان وحرب العراق التي راح ضحيتها نحو مليون شهيد، كما أن الغرب هو من أوجد الكيان المحتل الذي ارتكب عشرات المجازر بحق الأبرياء، علاوة على دعم الغرب لثورات “الربيع العربي” التي دمروا بها ليبيا “الدولة الغنية القوية” واليمن وما يزالون يسعون لتدمير ما تبقى من سوريا.

وقد شهد التاريخ الغربي ما لم يشهده التاريخ الإنساني من محاكم التفتيش وحروب قضت على 100 مليون إنسان كما في الحرب العالمية الأولى والثانية، ولا يجب أن يغيب عن بال أحد ما فعلته أمريكا بإلقاء قنبلتين نوويتين على اليابان وقتل 500 ألف إنسان في ثانية واحدة!

نعم، إن التقدم الغربي التقني حقيقة حالياً إلا أنه ليس تقدم غربي صرف! فالرخاء الاقتصادي كان بسبب رخص العمالة وتجارة الرقيق، والأموال الباذخة بسبب احتلال الدول العربية ونهب ثرواتها، فأما التقدم العلمي هو بسبب هجرة العقول لإغرائهم بالمال، وأما انبهارنا بهم فهو بسبب سيطرتهم على المحطات الإعلامية القوية وقدرتهم على غسل الأدمغة الضعيفة التي تؤخذ بمظاهر البنيان والتطور.

ونحن اليوم إذ نلمس هوس الغرب بإشعال حرائق في منطقتنا العربية ذلك أنهم يعلمون تمام العلم أن النظام المالي الرأسمالي على شفا الانهيار المحتم ما لم يكن هناك استمرارية للحروب وبيع السلاح لسد عجز الميزانية، وهذا الانهيار حقيقة يعلمها باحثو علم الاقتصاد منذ فك ارتباط الذهب بالدولار.

التقدم الغربي “التقني” حقيقة قائمة طالما هناك حروب، وفور وقف شلالات الدماء لن يكون لهم على الخارطة التاريخية سوى المكان الجغرافي، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.

المصدر: دمشق الآن