عندما يكون الإعلام في الدَّرَك الأسفل

عندما يكون الإعلام في الدَّرَك الأسفل

- ‎فيمقالات خاصة

بشار كاسر يوسف || خاص دمشق الآن

لا يخفى على أحد كميّة الحقد الأعمى والفكر المأجور الّذي ينفثه الكثير من أصحاب المواهب الإعلاميّة من خلال تخصيص برامج أسبوعيّة أو يوميّة لهم موجّهةً إلى كافّة شرائح المجتمع العربيّ بحيث تكون تلك المواهب هي البطل المطلق والأوحد فيها لخدمة أجندات تلك المحطّات الفضائيّة المملوكة أصلاً لأشخاص معيّنين وفي بعض الأحيان لحكومات.

اللّعبة الإعلاميّة الّتي كانت مجهولةً من قبل الكثيرين، باتت اليوم أقرب إلى الفهم والاستيعاب، ومن كانت تنطلي عليهم رسائل التّلميح و التّصريح بحكم الإنبهار باللّغة الإعلاميّة المستخدمة من قبل المقدِّم أصبحوا اليوم على درايةٍ كافيةٍ وإدراكٍ كامل للقُطَب المخفيّة الّتي تدأب تلك المحطّة أوذلك الإعلامي المأجور على تمريرها بهدف خلق رأي عام متطرّف يصبّ في صالحها ويحقّق أهدافها.

برنامج DNA الّذي يقدّمه الإعلامي نديم قطيش على قناة المستقبل هو مثال لبناني صارخ على لغة الغلّ والكذب والتّدليس الّتي باتت سمةً أساسيّة تصبغ تلك المحطّة الإعلاميّة منذ اغتيال رئيس الوزراﺀ الأسبق رفيق الحريري، ومن تابع ويتابع قطيش في برنامجه الشّبه يومي وطريقة مقاربته للأحداث المحلّيّة والأقليميّة وانتقاده لمحور المقاومة بكافّة رموزه سيشعر بالقرف والاشمئزاز من المستوى الإعلامي الوضيع الّذي وصل إليه مسخّراً موهبته الكلاميّة لقلب الحقائق يساعده في ذلك أسلوب اجتزاﺀ التّصريحات و اقتصاص مقاطع الفيديو لإيصال الأفكار مشوّهةً لجمهوره، هذا الجمهور المستعدّ أصلاً لتقبّل كلّ ما يرد على تلك المحطّة وكأنّه كلام منزل خاصّةً بعد الفرز الطّائفي الّذي يعيشه لبنان منذ حادثة الاغتيال الشّهيرة.

على المقلب السّوري سنجد بطلاً جديداً من أبطال الإعلام، كان يوماً من الأيّام ممثّلاً مسرحيّاً ساخراً وناقداً للوضع الاجتماعي والاقتصادي والسّياسي المحلّي منه والعربيّ وحقّق بمسرحيّاته النّاقدة شهرةً لا بأس بها جعلته من نجوم الصّفّ الأوّل مسرحيّاً بعد سنوات من غياب عمالقة المسرح السّوريّ.

هذا الإعلامي الجديد انحاز منذ بداية الحرب إلى جانب العصابات الإرهابيّة المسلّحة على اختلاف مسمّياتها، وحينها استغرب الكثير من السّورييّن انحيازه على اعتبار أنّه كان الطّفل المدلّل حتّى لدى أجهزة الأمن بسبب السّماح له دوناً عن غيره من زملائه الفنّانين بسقفٍ عالٍ من الانتقادات الّتي كان يوجّهها للحكومة سمحت له بأن يحقّق شهرته الواسعة بزمنٍ قياسي مقارنةً مع غيره، لكنّه آثر أن يكون عدوّاً لنفسه بالدّرجة الأولى وعدواً لأبناﺀ بلده بالدّرجة الثّانية.

المدعو همام حوت وبعد تحرير مدينة حلب من العصابات الإرهابيّة المسلّحة، فُتحت له المنابر أيضاً وتلقّفته قناة الأورينت “مكبّ القمامة الطّائفي” وخصّصت له برنامجاً سياسيّاً فكاهيّاً قذراً بسقفٍ مفتوح وجلبت له جمهوراً من الكومبارس وفرقة موسيقيّة وأطلقت له العنان وأفلتت له الرَّسن، ولأنّه ليس بعيداً عن أجواﺀ اللّعبة الإعلاميّة، انتهج لنفسه منهجاً جديداً تفوّق فيه على أعتى عتاة التّحريض الطّائفي والمذهبي الّذين اعتدنا أن نشاهدهم على القنوات اللّبنانيّة فاستخدم أسلوب السّبّ المباشر والشّتم بأقذر الكلمات وأبشع العبارات وزاد على ذلك استغلاله لأدقّ تفاصيل المجتمع السّوريّ المتعدّد المذاهب والطّوائف والإثنيّات والّتي يعرفها جيّداً ليحيك منها “سيناريوهات” برنامجه “السّيناريو” ويلعب بمهارةٍ وقذارةٍ في آنٍ معاً على التّحريض الطّائفيّ ونكئ الجروح ونبش الماضي وإذكاﺀ النّعرات المذهبيّة واستحضار الأحداث التّاريخيّة الّتي كادت أن تُنسى ليبثّ فيها من روحه الخبيثة ويعيد إليها الحياة، وطبعاً وكما هو متعارف عليه في مثل هذه البرامج، هناك جمهور يطلق الضّحكات والقهقهات والصّفير في اللّحظات المدروسة بدقّة ويصفّق له عند كلّ عبارة صفيقة يتلفّظ بها.

عشرات السّنين في هذا البلد الأمين لم يكن يجرؤ شخص أن يتكلّم بنَفس طائفيّ وحتّى إن اضطرّ “غير باغٍ” لأن يشير بكلامه إلى مذهبٍ أو طائفة فإنّه كان يتلفّظ بها همساً.

عشرات السّنين من العمل الإعلامي الحكومي وبرغم انتقادنا الشّديد له، لكن يُسجَّل له أنّنا لم نسمع منه قط عن المذاهب والطّوائف والعشائر الّتي تشكّل المجتمع السّوريّ وبقيَ محافظاً على ما تعتبره الحكومة والشّعب خطّاً أحمر لا يجوز الاقتراب منه أو المساس به ولم يسمح أن تنتقل العدوى الطّائفيّة الإعلاميّة الّتي كنّا نسمعها ونشاهدها كلّ يوم من الجار الشّقيق.

المصدر: دمشق الآن