عقوبة تعذيب الموقوف وهل يؤخذ بهذه الاعترافات في القضاء

عقوبة تعذيب الموقوف وهل يؤخذ بهذه الاعترافات في القضاء

- ‎فيمقالات خاصة

بقلم المحامي الأستاذ: حسام كريم الدين || خاص دمشق الآن

تعذيب الموقوف أثناء التحقيق بهدف انتزاع الاعترافات منه من أبشع الجرائم ضد الإنسانية وقد يقول البعض بأن تلك الطريقة في التحقيق هي الطريقة الوحيدة والناجعة للوصول إلى الاعتراف ! ولكن هل وضع القائل نفسه موضوع التعذيب وامتهان الذات الانسانية ! حقيقة الأمر أن المحاكم في الجمهورية العربية السورية وفق اجتهاد محكمة النقض والقانون تعيد استجواب المتهم بعد التحقيق الأولي وللمحكمة ألا تأخذ بالاعتراف أمام رجال الأمن إذا ما كان قد نتج عن التعذيب واستخدام ضروب الشدة وإن المطلع على القضايا الجزائية يجد أن المتهم فوراً تحويله للقضاء يقوم بالرجوع عن اعترافاته و هنا يسأل السائل ما هو الهدف من استخدام هذه الطرق في التحقيق؟ أليس الأولى اتباع طرق علمية كجهاز كشف الكذب مثلاً ! وغير ذلك من الطرق ذات الفاعلية! أليس من الأولى التوعية والإرشاد والتدريب للمكلفين بالتحقيق واستقصاء الجرائم من مساعدي الضابطة العدلية إلى أن هذا الفعل مخالف للدستور و القانون ويشكل جريمة معاقب عليها في القانون وأنه من حق الموقوف الذي تعرض للتعذيب اللجوء للقضاء بمواجهة المحقق المثبت اسمه في ضبط التحقيق ومن السهل جداً الوصول إلى مساعديه الذين قاموا بالاعتداء على المتهم! ولن ندخل في مقالنا على أمثلة وحالات من قضايا تعرض على القضاء يتم بموجبها استدعاء ضابط الأمن من – بعض الذين تسول لهم أنفسهم ارتكاب هذه الأفعال مع تقديرنا للشرفاء والمهنين والذين يعملون بإخلاص وحسب القانون من رجال الأمن – وهنا كان الهدف من هذا المقال للوقوف بإيجاز على هذه المسألة.

نص إعلان الجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة في القرار 13452 لعام 1975 على دعوة الدول الأعضاء إلى سنّ التشريعات الّتي تحرّم التعذيب، وتمنع الأفعال الّتي تحدث الضرر النفسي والجسدي لدى الشخص لحمله على الإقرار، وهو ما أكّدته المادّة الخامسة من إعلان حقوق الإنسان التي نصت على ( احترام السلامة الجسديّة للإنسان والامتناع عن المساس بها من ضرب أو جرح أو شتّى أنواع التعذيب) فصيانة حرمة الذات الإنسانيّة في الإجراءات الجنائيّة تعني احترام القيم الأدبيّة والأساسيّة و الإنسانية.

ولقد جاء في المادّة 53 من دستور الجمهورية العربية السورية: ” 1- لا يجوز تحري أحد أو توقيفه إلا بموجب أمر أو قرار صادر عن الجهة القضائية المختصة، أو إذا قبض عليه في حالة الجرم المشهود، أو بقصد إحضاره إلى السلطات القضائية بتهمة ارتكاب جناية أو جنحة.2 – لا يجوز تعذيب أحد أو معاملته معاملة مهينة، ويحدد القانون عقاب من يفعل ذلك”.

كما نصت المادة /391/ من قانون العقوبات السوري الّتي نصّت على ما يلي: 1- من سام شخصاً ضروباً من الشدّة لا يجيزها له القانون رغبة منه في الحصول على إقرار عن جريمة أو على معلومات بشأنها عوقب بالحبس من ثلاثة أشهر إلى ثلاث سنوت 2- وإذا أفضت أعمال العنف إلى مرض أو جرح كان أدنى عقاب الحبس سنة”.

والجدير بالذكر أنّ الفاعل في هذه الجريمة هو الموظّف – ويعتبر عنصر الأمن أو الضابط موظفاً عاماً ويخضع لقوانين خاصة سنأتي على ذكرها – الّذي يقوم بالفعل المتمثّل في إيقاع ضروب الشدّة والعنف الّتي لا يجيزها القانون وذلك بهدف الحصول منه على إقرار عن جريمة أو معلومات متعلّقة بها، ونورد هذا الاجتهاد في معرض حديثنا الصادر عن محكمة النقض والذي نص على ما يلي: “إنّ المادّة التاسعة من الأصول الجزائيّة عدّدت رجال الضابطة العدليّة وذكرت منهم الموظّفين الّذين خوّلوا صلاحيّات الضابطة العدليّة بموجب قوانين خاصّة. ـ إن رجال الأمن السياسي يعتبرون من رجال الضابطة العدليّة الّذين خوّلهم القانون القيام بهذه الوظيفة ” . ( ق. ع. جنحة عسكرية 1783/982 قرار 1928 تاريخ 30/12/1982 قاعدة 93 ـ قانون أصول المحاكمات الجزائية ج1 ـ أديب استانبولي ـ ص 9 م13) .

وقد نصت المادة / 555/ من قانون العقوبات السوري: “1- من حرم آخر حرّيته الشخصية بأيّة وسيلة كانت عوقب بالحبس من ستّة أشهر إلى سنة. 2- وتخفّف العقوبة عن المجرم حسبما نصّت عليه المادّة 241 في فقرتها الثالثة إذا أطلق عفوا سراح الشخص المختطف في خلال 48 ساعة دون أن ترتكب به جريمة أخرى جناية كانت أو جنحة”. كما نصت المادّة 556 من نفس القانون: “يقضى على المجرم بالأشغال الشاقة المؤقّتة : 1- إذا جاوزت مدّة حرمان الحرّية الشهر. 2- إذا أنزل بمن حجزت حرّيته تعذيب جسدي أو معنوي . 3- إذا وقع الجرم على موظّف أثناء قيامه بوظيفته أو في معرض قيامه بها”.

وقض ذهبت محكمة النقض السورية إلى أنّ: المادة / 391 / من قانون عقوبات ينحصر تطبيقها على الموظّفين وإنّ حجز الحرّية من قبل أحد الناس ينطبق على المادّتين 555 و 556 /ع. نقض سوري – جناية 192 قرار217 تاريخ 25/3/1958 قاعدة 840 ـ شرح قانون العقوبات ج1 ـ أديب استانبولي ـ ص 585.

وجاء في اجتهاد محكمة النقض السورية: إنّ المادّة 555 من قانون العقوبات قد حدّدت عقاب من يتعدى على الحرّية الشخصيّة، وممّا لا شكّ فيه أنّ هذه الجريمة تعتبر من الجرائم القصديّة الّتي يراد منها حجز الحرّية والاعتداء عليها بدون سبب مشروع، أمّا إذا كان المعتدى عليه قد أوجد نفسه في حالة الشبهة وفي جريمة مشهودة يمكن أن تكون من نوع الجناية أو الجنحة، فإنّ قيام الدوائر المساعدة للنيابة العامّة بوظيفة الضابطة العدليّة بالتحقيق وجمع الأدلّة وإلقاء القبض على الفاعل لا يعدّ من قبيل الاعتداء على الحرية. (سورية قرار جنحي 245 تاريخ 17/2/968 قق 1240 ـ الموسوعة القانونية لأنس كيلاني ـ قانون العقوبات ـ قاعدة 2384

ومن الجدير بالذكر هنا أن القانون السوري من خلال اجتهادات محكمة النقض السورية جعل الضبوط المنظمة بناء على تعذيب على سبيل المعلومات و لا يتم اعتمادها بشكل كامل من قبل المحكمة التي تقوم بإعادة استجواب المتهم ، حتى أنه أمام محكمة الجنايات الناظرة بجناية لا بد لها من استجواب المتهم ، وهنا نلفت نظر أن من يقوم بعملية التعذيب ظناً منه بأنه يقوم بعمله بهذه الطريقة وأن هذه الطريقة هي الطريقة الوحيدة للحصول على الاعتراف و يتناسى وجود طرق علمية و حديثة للتحقيق و أن الغاية ليست التعذيب الذي ينم عن تشوهات نفسية و إساءة للذات الإنسانية وليس التعذيب وانتزاع الاعتراف هو من صميم عمل المحقق ولا يكافئ عليه ولا يؤخذ بهذه الاعترافات أساساً كونها صدرت تحت التعذيب والإكراه ولكن يعتمد في القضايا على الأدلة اليقينية والبراهين حيث أن رجال القانون يعلمون أن هذه الاعترافات نتجت عن هكذا طريق ولا يأخذون بها ! فما هو الهدف إذا من هكذا فعل ! و فيما يلي اجتهادات محكمة النقض التي تعد بمثابة قانون و ما درج عليه العمل القضائي في سورية:
بدايةً بالحديث عن حجية الضبوط التي انتزع فيها الاعتراف نتيجة التعذيب والشدة فقد جاء في اجتهادات محكمة النقض أنه للإدانة بجرم لابد أن تكون الأدلة يقينة ولا يساورها الشك حيث نص الاجتهاد: ” الإدانة بالجرم يجب أن تبنى على الجزم واليقين لا على الاستنتاج والتخمين ، وإنّ القناعة يجب أن تستمدّ وتستنبط من أدلّة وقرائن تؤدّي عقلا ويقينا إلى ثبوت الفعل”. ( أحداث 575/981 قرار 354 تاريخ 25/8/1982 قاعدة 707 ـ قانون أصول المحاكمات الجزائية ج1 ـ أديب استانبولي ـ ص 753 ).

وقد نص الاجتهاد القضائي السوري لمحكمة النقض على ما يلي: “إن ضبوط الشرطة و الامن الجنائي في القضايا الجزائية ليست أدلة قاطعة و ليس لهذه الضبوط في القضايا الجنائية قوة ثبوتية الا كمعلومات عادية و لا حاجة للطعن بها بالتزوير”. (قرار 24 / 1987 – أساس 67 – محاكم النقض – سورية – قاعدة 367 – م. المحامون 1987 – اصدار 11 – رقم مرجعية حمورابي: 4399 ).

وورد أيضاً: “إذا ادّعى المدّعى عليه أثناء التحقيق معه من قبل قاضي التحقيق أنّ اعترافه أمام رجال الشرطة كان نتيجة الضرب، وجب على القاضي أن يسعى فوراً إلى تقرير معاينته أو التحقّق من صحّة قوله، وبالتالي فإنّه يتعيّن على قاضي الإحالة مناقشة هذا القول عند إهمال قاضي التحقيق ذلك “. (جناية أساس 858/981 قرار 849 تاريخ 29/6/1981 قاعدة 738 ـ قانون أصول المحاكمات الجزائية ج1 ـ أديب استانبولي ـ ص 763 ).

ونص الاجتهاد أيضاً: “للمحكمة أن تأخذ باعتراف المدعى عليه في ضبط الشرطة رغم عدوله عنه أمام قاضي التحقيق ، وأمام المحكمة متى اطمأنّت إليه ووثقت به ، وإنّ تقدير عدم صحّة ما يدّعيه المدّعى عليه من أنّ اعترافه كان نتيجة التعذيب والإكراه ممّا يدخل ضمن سلطة محكمة الموضوع، تستقلّ به بغير معقّب عليها مادامت تقيمه على أسباب سائغة”. ( أحداث 299/981 قرار 26 تاريخ 20/2/1982 قاعدة 708 ـ قانون أصول المحاكمات الجزائية ج1 ـ أديب استانبولي ـ ص 753 )

وجاء في اجتهاد محكمة النقض ما يلي: “إذا ادّعى المدّعى عليه أمام قاضي التحقيق العسكري أنّ اعترافه وأقواله الأولية لدى الشرطة العسكريّة والّتي رجع عنها أمامه أنّها صدرت عنه نتيجة الضرب والتعذيب، وجب على القاضي أن يستمع إلى شهادة رجال الشرطة العسكريّة عن مضمون هذه الأقوال وكيفيّة صدورها عن المدّعى عليه”. ( جنحة عسكرية 143/981 قرار 992 تاريخ 31/8/1981 قاعدة 1916 ـ قانون أصول المحاكمات الجزائية ج2 ـ أديب استانبولي ـ ص 1829 )

ولقد نصّت المادّة /214/ من نظام خدمة الشرطة على أنّه: “في غير حالة الجرم المشهود المعيّنة في القوانين لا يسوغ للشرطة أن توقف أحداً من الناس إلّا إذا كان ثمة أمر أو مذكّرة صادران عن السلطة صاحبة الصلاحيّة في ذلك .فكلّ ضابط أو صفّ ضابط أو شرطي يعطي، خلافاً لهذا النصّ، أو يمضي أو ينفّذ أمراً بتوقيف شخص أو يوعز بتنفيذ مثل هذا الأمر أو يوقف ذلك الشخص بالفعل يعاقب كمجرم بمادّة توقيف كيفي”.

وجريمة حجز الحرية أو التعدّي عليها أفرد لها المشرع في قانون العقوبات السوري المادّتين 357 و 358 وهما تعنيان بالتعدّي غير المقترن بالترهيب الّذي يمارسه الموظّف من أجل انتزاع الإقرار أو الاعتراف، وتعنى الثانية منهما بأشخاص يضطلعون بمهام خاصّة هي الآن في معظمها من مهامّ الشرطة فقد نصت المادة / 357 / على ما يلي: “كلّ موظّف أوقف أو حبس شخصاً في غير الحالات الّتي ينصّ عليها القانون يعاقب بالأشغال الشاقة المؤقّتة. /مادّة 358/ إنّ مديري وحرّاس السجون أو المعاهد التأديبيّة أو الإصلاحيّات وكلّ من اضطلع بصلاحيّاتهم من الموظّفين، إذا قبلوا شخصاً دون مذكّرة قضائية أو قرار قضائي أو استبقوه إلى أبعد من الأجل المحدّد يعاقبون بالحبس من سنة إلى ثلاث سنوات. والمادّة 359 من قانون العقوبات تعنى بوجوب امتثال الأوامر القضائية خاصّة فيما يتعلّق بتنفيذ مذكّرات التوقيف وإجراءات سوق السجناء أو المواقيف : /مادّة 359/ 1 ـ إنّ الأشخاص السابق ذكرهم وبوجه عام جميع ضبّاط القوّة العامّة وأفرادها وجميع الموظّفين الإداريين الّذين يرفضون أو يؤخّرون إحضار شخص موقّف أو سجين أمام القاضي ذي الصلاحيّة الّذي يطلب إليهم ذلك يعاقبون بالحبس من شهر إلى سنة. 2 ـ ومن لم يمتثل فوراً لما يطلبه القاضي من إبراز سجلّ السجن وجميع سجلّات أمكنة التوقيف الّتي هي ملحقون بها يعاقبون بالعقوبة نفسها.

ولكنّ التوقيف الّذي يقوم به رجال الشرطة بموجب ضبط ليس مثاراً لتعرّضهم إلى الملاحقة بجريمة حجز الحرّية، لأنّ هذا الضبط يحميهم ولذلك عليهم ألّا يغفلوا تنظيمه فوراً وقبل إيداع الموقوف في النظارة على أن يكون هذا الضبط محقّاً فعلاً وليس فقط لأجل التملّص من الملاحقة بهذا الجرم.
ولقد جاء في الاجتهاد القضائي: “التوقيف رهن التحقيق في الجرم المشهود لا يشكل تعدّياً على الحريّة”. المجموعة الجزائية ياسين الدركزلي – الجزء الثاني القاعدة 1297 : جنا 580 ق 470 ت 28/8/1960

في الختام نؤكد أن الهدف من هذا المقال هو تسليط الضوء على الخطأ أينما كان و للإشارة إلى هذه الجريمة ( انتزاع الإقرار بالإكراه ) والتنديد بهذا الأسلوب الهمجي في التحقيق والتذكير بأنّه جريمة من الناحيتين الإنسانية والقانونية لا داعٍ ولا مبرّر له والتنويه إلى أنّ تطور أساليب التحقيق والبحث الجنائي وصل إلى مراحل متفوّقة ومتقدّمة واستحدثت الأدوات والأجهزة المستخدمة في مجال التحقيق والاعتراف ليس غاية التحقيق بل غايته الوصول إلى الحقائق قدر الإمكان وتقديم المتّهمين إلى العدالة والقضاء الّذي يضطلع بمهمّة إصدار الأحكام وتطبيق نصوص القانون . ولا يجب ولا يجوز بأيّة حال من الأحوال أن يسند المحقق لنفسه مهمّة المحكمة أو يتصوّر أنّه صاحب الصلاحيّة في القيام بعمله كيفما يشاء أو أن يبرر لنفسه ارتكاب هذه الجريمة بأن المتهم لن يعترف دونما استخدام هذه الاساليب فكما بينا لا طائل منها أمام القضاء وقد تعود على المحقق مرتكب الجرم بالعقوبة والتبعات القانونية و القانون فوق الجميع ولا يمكن لأحد أن يمنع أي مواطن من حقه في الشكوى والادعاء أمام القضاء بمواجهة أي كان.

(facebook : Hussam Kareem ALdeen – بقلم المحامي الأستاذ : حسام كريم الدين)

المصدر: دمشق الآن