سرقة أوروبا للحضارة العربية.. هل من سبيل لإعادتها ؟

سرقة أوروبا للحضارة العربية.. هل من سبيل لإعادتها ؟

- ‎فيمقالات خاصة

نوح الديار || خاص دمشق الآن

في الحقيقة عند مقارنة وضع أوروبا في عدة مراحل من ظلاميتها ووضع البلاد العريية الآن، فسنجد أن فرصة البدان العريية للنهوض بحضارتها من جديد فرصة كبيرة وقوية جداً وتفوق فرصة أوروبا بمئات الأضعاف، فنحن لا يوجد عندنا محاكم تفتيش تقتل من يقول بكروية الأرض لأنه “مهرطق” ولم يُقتل ١٠٠ مليون عربي كما قتل ١٠٠ مليون أوروبي _ثلث أوروبا قتلى _ في الحربين العالميتين كما أن دمشق والقاهرة وبغداد لا تزال بفضل الله صامدة قوية ولم تصبح مسوّاةً بالأرض كما أصبحت باريس ولندن إبّان الحرب العالمية الثانية.

كما أن عدد المتعلمين وأصحاب الشهادات العليا العرب يعدون بعشرات الملايين في العالم العربي فضلاً عن ملايين أخرى في العالم الغربي بينما كانت نسبة من يقرأ ويكتب في أوروبا في بداية نهضتها لا تتجاوز ١% وذلك بحسب المؤرخ الامريكي سكوت في كتابه تاريخ الحضارة الأفريقية.

ومن الجدير ذكره أن الجامعة كما نعرفها اليوم هي اختراع عربي محض، صحيح أن في عهد أفلاطون كان هناك أكاديمية تجري فيها بعض المناقشات إلا أن الجامعة بمنهج محدد ونظام تعليمي وطاقم تدريسي وتخصصات معينة ومناهج محددة تخصصية لكل فرع وامتحانات ودرجات طلابية هي اختراع العرب وبابا الفاتيكان سلفستر الثاني الذي اخترع الاصطرلاب كان قد تعلم في الجامعة العربية في قرطبة باللغة العربية وعلى يد أساتذة عرب.

والعرب هم من اخترع النظام العشري و طوروا مفهوم الصفر وإلى يومنا هذا ما يزال العالم كله يستخدم الأرقام العربية التي أصبحت تسمى بالأرقام الأجنبية.

والبابا سلفستر الثاني قدم لأوروبا نظام مالي متكامل باسم القانون الروماني الجديد لكنه كان كله مستمداً من الفقه المالكي بل كان عبارة عن ترجمة تكاد تكون حرفية للفقه المالكي، ثم ظل هذا القانون يعدل حتى أصبح يُعرف باسم قانون نابليون، ومن يدرس علوم القانون سيجد أن القوانين الغربية مشابهة كثيراً للفقه المالكي.

وأكثر من ذلك، فريدريك الثاني الامبراطور الرماني المقدس عندما أقام جامعة نابولي استعان بعلماء العرب فوضعوا المناهج على طريقة منهج جامعة بغداد بل إن جامعة ساليرنو وهي أول جامعة طب في أوروبا كانت تدرس مناهج عربية بحتة، وحتى أرسطو الذي كان ملعوناً في الغرب، فالعرب هم من صدر أرسطو وفلسفته للغرب الأوروبي بطريقة حضارية ومفهومة حنى تقبلها الأوروبيون.

ولا بدًّ أن نفرد فصلاً في الحديث عن ألبرت الكبير الذي طبع في القرن العشرين زهاء ٤٠ مجلداً من أعماله وكان معروفاً بكثرة التآليف وهو أستاذ توماس الاكويني أبو الفلسفة الكاثوليكية المدرسية التي أصبحت وصية على التفكير الفلسفي في العالم الغربي، فإن البروفيسور المؤرخ وعالم الآثار الفرنسي الشهير ايرنست رينان يقول عن ألبرت الكبير أنه يدين بكل شيء لابن سينا وأنه مجرد عالة على ابن سينا ويقول عن توماس الأكويني أنه يدين بكل شيء لابن رشد، وأكثر ما يدلل على صحة كلام ايرنست رينان أن من يقرأ الخلاصة اللاهوتية لا يكاد يشعر سوى أنه يقرأ ابن رشد بلغة أخرى.

بل إن الرسومات الأوروبية تؤكد على ما سبق كما في أول كتاب كتبه أوروبي في الجراحة الذي طبع في القرن الرابع عشر فقد رسم فيه ابقراط بزي عربي وعمامة عربية وهو يدرس تلاميذه في إشارة أنهم لم يكونوا ليعرفوا ابقراط إلا من خلال العرب الذين ترجموا كتب ابقراط وأحيوه وأضافوا عليه وسجلوا انتقاداتهم وملاحظاتهم وأضافوا أبعاداً شاسعة فاقت أفق تفكير أبقراط الطبي بمراحل.

واذا ألقينا نظرة على ما كانت تعيشه أوروبا فإن الامبراطور زينو في أواخر القرن الخامس أغلق مدرسة الروها “ايديسا” للطب لأنه يتعارض مع الإنجيل وبعده بنصف قرن يغلق جستنيان أكاديمية أثينا لأفلاطون فأصبحت أوروبا خاوية ليس فيها مدرسة واحدة للطب أو الفلسفة فهرب الطلاب لجنديشابور لمحاولة الحفاظ على ما أمكن دون جدوى ولذلك يقول بعض المؤرخين الأوروبين المعاصرين أنه لولا العرب لكان على أوروبا أن تبدأ _ليس من حيث بدأ العرب أي من التراث الهندي واليوناني _ بل من حيث بدأ اليونان والهنود أنفسهم، أي من الصفر المطلق لكل علوم الفلسفة والرياضيات والطب والميكانيك والعقاقير والقانون والنظم الاجتماعية.

ومن هنا يتضح لنا أن الحديث عن كون شارل مان كونه هو من وصل التراث الكلاسيكي ومهد الطريق ليوناردو دافينشي ونيكولاس كوبرنيكوس هو تحليل مضحك، سيما وأن هارون الرشيد عندما أرسل لشارل مان الساعة المائية الميكانيكية المتحركة وأدخلت إليه وبدأ تشغيلها هرب كل من كان عنده بالبلاط لاعتقادهم أن هذه الساعة فيها جن وشياطين من الداخل.

كما يجب أن نتذكر أن كل الثقافات عاشت تحت المظلة العربية العباسية من مسلمين ومسيحين ومجوس وغنصوصيون وهندوس على قاعدة لا إكراه في الدين بينما شارل مان عندما ذهب للسكسون ليدخلهم في المسيحية أباد منهم مئات الألوف.

ولو سلمنا بالفرضية المضحكة التي تقول أن شارل مان هو مؤسس النهضة الغربية فإن الرجل قد مات سنة ٨١٤ ميلادي أي أن هناك ٦ قرون بينه وبين بداية النهضة في أوروبا، ولم يوجد أي اختراعات ولا مؤلفات ولا نظريات طوال هذه الفترة مما يسقط وهم هذه الفرضية التي يتبجح بها بعض الأوروبيين كي لا يعترفوا بفضل العرب عليهم.

ولإنصاف الرجل فإن شارل مان قد اقتصرت نهضته على أحياء بعض الآدب والشعر الروماني وقد قام بعض الرهبان بكتابة هذه الأشعار على جلود الحيوانات وهو أمر مكلف للغاية وغير عملي لأبعد الحدود، بينما كانت مصانع الورق العربي في ضواحي بغداد وحدها أكثر من مئة دار للوراقة تصنع الورق وتستنسخ الكتب وفي كل دار مقهى ثقافي لمناقشة أمور الفكر المختلفة بحرية تامة، وقد تحدث مارك غراهام المؤرخ الكبير في كتابه فقال: “في ذروة النشر العربي في بغداد العباسية كانت الكتب الجديدة التي تنسخ في كل سنة تفوق عدد ما تنشره مطابع نيويورك اليوم في كل سنة فبينما كانت أحد مكتبات مصر تضم مليوني كتاب إبان الدولة الفاطمية كانت كلية الطب بجامعة باريس لديها ٩ كتب فقط وقد أراد الملك الفرنسي لويس الحادي عشر أن يستعير كتاب الحاوي لأبي بكر الرازي من كلية الطب بباريس فلم يعيروه إياه حتى دفع مبلغاً هائلاً من الذهب كضمان حتى يعيد الكتاب، بل إن باني الزهراء عبد الرحمن الناصر بنى مكتبة طبية متخصصة في أحد المشافي العربية في الأندلس ضمت ٥٠٠ ألف عنوان كتاب طبي متخصص.

أخيراً فقد تركت طرز وانماط الحياة العربية أثرها في الحياة الغربية حتى اليوم فزرياب الموسيقار الذي تفوق على استاذه اسحاق الموصلي واضطر أن يذهب للأندلس تحت ضغط استاذه هو من أدخل فنون العرب الموسيقية وفنون الطبخ المتقدمة للغرب كتقديم الطعام على دفعات بدءاً بالمقبلات فالسلطات ثم الوجبة الرئيسية وبعدها الحلويات والعصائر، فضلاً عن كونه من أضاف وتراً خامساً للعود واستبدل بالريشة الخشبية ريشة ً جديدة مصنوعة من مخلب النسر وبدل الأوتار فصنعها من أمعاء الشبل، وأسس مدرسة موسيقية للفقراء كما انه أدخل الشطرنج وأسس داراً للأزياء العربية حتى سُمّي زرياب بقديس حياة الترف في الحواضر، كما أن زرياب أول من اخترع مزيلاً لرائحة العرق في العالم.

المصدر: دمشق الآن