دوائرنا الحكوميّة، هل نحن أطفالك الرُّضّع؟

دوائرنا الحكوميّة، هل نحن أطفالك الرُّضّع؟

- ‎فيمثبت, مقالات خاصة

بشار كاسر يوسف || خاص دمشق الآن

فيما مضى، وقبل أن تكثر الإذاعات الخاصّة، كانت إذاعة دمشق هي الملاذ الوحيد لتقبُّل شكاوى المواطنين وطرحها مباشرةً على الهواﺀ عبر الاتّصال بالجهة صاحبة الاختصاص والتكلّم مع المسؤولين المباشرين الّذين بيدهم الحلّ والربط لإنهائها، وكان الإعلاميّ القدير عمر عيبور يشكّل كابوساً حقيقيّاً لأولئك المسؤولين كلّما حاول الاتّصال بهم وأخذهم على الهواﺀ ووضعهم في مواجهة مع المواطنين المنحوسين.

اليوم، تعدّدت الإذاعات الخاصّة وتعدّدت مواقع التّواصل الاجتماعيّ ومنصّاتها، وكثرت معها البرامج الخدميّة المتخصّصة باستقبال تلك الشّكاوى وشكّلت حالة ضروريّة لمتابعة حالات التّقصير الّتي تشوب مختلف الدّوائر الخدميّة في القطر، من كهرباﺀ وماﺀ ومحروقات ومواصلات واتّصالات وتجارة داخليّة وتموين وصحّة وزراعة … إلخ، حتّى أنّ أحد أعضاﺀ مجلس الشّعب عن محافظة حمص قام بالاتّصال على أحد تلك البرامج ليشتكي الوضع الخدميّ المزري الّذي تعاني منه محافظته مع العلم أنّه من المفروض أن يكون هو صوت المواطن أمام السّلطة التّنفيذيّة وأن يضع الحكومة أمام مسؤوليّاتها تحت قبّة المجلس لا أن يشتكي عبر الإعلام “انعكست الآية”.

المفارقة أنّ من يتابع تلك البرامج سيكتشف أنّ المواطن “المتّصل” قد قام بطرح مشكلته أكثر من مرّة وعلى أكثر من إذاعة، وأنّ عبارة: “صرنا مشتكيين عشر مرّات، بيوعدونا وما حدا بردّ علينا” تتكرّر كثيراً في كلّ برنامج خدميّ.

هذا لا يعني إطلاقاً أنّه لا فائدة ترجى من هكذا برامج، وللأمانة أنّ بعض المشاكل تجد طريقها للحلّ مباشرة، إذ يتوقّف ذلك على مدى استجابة المسؤول وإمكانيّة التّواصل معه بشكلٍ فوريّ حيث أنّ “الاجتماعات” هي الحجّة الموجودة دائماً لعدم الرّدّ من قبل المسؤول على الاتّصال.

ما يلفت النّظر أيضاً، هو قيام المسؤول بإطلاق وعوده الآنيّة لحلّ المشكلة “المهمّ ما يطلع المواطن زعلان” سواﺀً بإرسال الورشات الفنّيّة إن كانت الشّكوى فنّيّة كإصلاح عطل في شبكات الكهرباﺀ والماﺀ والصّرف الصّحّيّ وتزفيت طريق فرعي … ، أو بإرسال دوريّات مراقبة إن كانت الشّكوى تتعلّق بعمليّات البيع والشّراﺀ ورفع الأسعار، أو إيهام المواطن أنّ مشكلته في طريقها إلى الحلّ القريب والقريب جدّاً وأنّه لو صبر قليلاً لما احتاج أن يشتكي “شو منعمل، نحنا المواطنين وجهنا وجه فقر ولو سكتنا كنّا اغتنينا متل ما بقول المثل الشّعبي”.

وبما أنّه ليس الجميع من هواة الاستماع إلى الرّاديو، ووجود شريحة مجتمعيّة واسعة جدّاً تستقي أخبارها عن طريق الإعلام الإلكترونيّ ومواقع التّواصل الاجتماعيّ، لا بدّ أن نشير إلى الدّور الكبير الّذي يقوم به هذا الإعلام بكافّة منصّاته في استقبال شكاوى المواطنين وإيصالها إلى الجهات المعنيّة، ساعده في ذلك التّفاعل الجيّد من قبل الحكومة بكافّة وزاراتها ومؤسّساتها مع ما يطرح فيه من مشاكل تعترض حياة المواطنين، وشكّلت دمشق الآن حالة متقدّمة في طرح الشّكاوى على موقعها واستجابة الدّوائر الحكوميّة بشكل مقبول معها حيث توجد الكثير من الشّكاوى الّتي تمّ حلّها بعد تسليط الضّوﺀ عليها عبر الموقع.

السّؤال الّذي يقضّ مضجعنا نحن المواطنين هو:

ألا تُعالج مشاكلنا اليوميّة والمزمنة الموجودة دائماً والواضحة وضوح الشّمس إلّا إذا اشتكينا؟

ألا يعلم المسؤول كلٌّ من موقعه بوجود تقصير واضح درجة الوقاحة ويجب عليه معالجته قبل أن يضيق به المواطن ذرعاً ويلجأ إلى الإعلام لفضحه؟

هناك مثل يقول :” الطّفل الرّضيع إذا ما بكي، أمّو ما بترضعو”، نحن المواطنين، لسنا أطفالاً رُضَّع، ودوائرنا الحكوميّة ليست أمّهاتنا المُرضعة حتّى نبكي على عتباتها.

المصدر: دمشق الآن