الزواج المدني في القانون السوري

الزواج المدني في القانون السوري

- ‎فيمقالات خاصة

المحامي الأستاذ حسام كريم الدين || خاص دمشق الآن

تنويه : إن هذا المقال لا يؤيد الزواج المدني و لا يعارضه إنما هو إضاءة على الوضع القانوني القائم حالياً في الجمهورية العربية السورية ولا يمثل رأي صفحة دمشق الآن أو الرأي الشخصي لكاتب المقال.

الزواج المدني ! و التغيير و السماح به في سورية موضوع ضخم كثر التداول به على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي بين مطالب به باسم حرية الفرد و بين مناهض له باسم التمسك بالدين أو الأعراف الاجتماعية و غير ذلك من الأسباب ، و قد انتشرت في الآونة الأخيرة أخبار عن “مشروع” قانون يطالب بإقرار الزواج المدني في سوريا بشكل “اختياري” تمهيدا لتقديمه إلى أعضاء مجلس الشعب لمناقشته تحت قبة البرلمان .

وعليه فإنه من الواجب البدء بتعريف الزواج المدني لإحاطة القارئ بالموضوع ، حيث يمكن تعريف الزواج المدني بأنه : ” عقد ثنائي بين رجل وامرأة مُسجَليّن في السجلات المدنيّة لدى الدولة أو من المُقيمين فيها ، يتمّ بالرضاء والقبول ، كسائر العقود المدنية ، موضوعه الاتفاق على إقامة حياة زوجية مشتركة دائمة بين الزوجين يتم توثيقه وتسجيله أمام المحكمة أو الموظف المختص وفق أحكام القانون الناظم له و التي تُطبّق الدستور والقانون بين الشخصين أطراف العقد ، ويُعتبر أساسه إلغاء الفروقات الدينيّة ، والمذهبية ، والعرقية بين طرفي الزواج ؛ فلا يمنع ارتباط اتباع الدين الإسلامي باتباع الدين المسيحي أو اليهودي أو العكس ، ويتمّ بقبول الطرفين الزوج والزوجة ، وبحضور الشهود ، وكاتب العَقد، ويتمتع المتزوجون مدنياً بكامل حقوقهم المدنيّة الاجتماعيّة، والسياسية ، ولا يجوز لأحد مخالفة ذلك ؛ لأنه يُعتبر مُخالفة لقانون الدولة التي أتاحت هذا النوع من الزواج ويتم تسجيله في سجلات الدولة وهو خاضع بشكل كامل للقواعد القانونية التي حددها المشرع ، والتي لا يجوز للأفراد مخالفتها يضمن هذا العقد حقوق كلا الزوجين بالمساواة في حالة الطلاق .

و القانون هو انعكاس لإرادة المجتمع و ضوابطه يقوم على مصادر تشريعيّة ، و إن وجود آلاف أو أكثر من ممن أيدوا الزواج المدني من خلال التعليقات و المنشورات على مواد سابقة على دمشق الآن أو من خلال رأي الشخصي الفردي باقتناع بصحته أو وجود أشخاص معارضين للزواج المدني لا يمثل رأي الأغلبية من المجتمع و إنما يتم ذلك باستفتاء و تصويت من خلال الخطوات القانونية التي أقرها المشرع لاستصدار القوانين .

و الزواج المدني هو عقد ثنائي ، يجب أن تتوافر فيه الشروط القانونية العامة للعقود ، وهي: الرضى والأهلية والمحل والسبب والشروط الشكلية في الحالات التي يفرضها القانون ، و الزواج المدني يُسقط كلّ الفوارق الدينيّة والمذهبيّة بين رجلٍ و امرأةٍ يريدان الارتباط ببعضهما والعيش سويةً تحت سقفٍ واحدٍ ، وبناءً عليه فلا مانع من زواج الكاثوليكي بالأرثوذكسية وكذلك العكس ، ولا مانع من زواج المسلمة بالمسيحي و غير ذلك ، انطلاقاً من مبدأ فصل الدين عن الدولة ويترتب على مدنية الزواج أن القانون لا يعترف بهذا الزواج إلا إذا أُبرم أمام الموظف المختص .

أما الزواج الديني وهو النوع الشائع بين الناس باختلاف دياناتهم ، و يمكن تعريفه على أنّه : الزواج الذي يتمّ وفق الشرائع الدينيّة المنصوص عليها في الكتب السماوية ، حسب كلّ ديانة ويتمّ عقده بحضور رجال الدين سواء القساوسة، أو شيوخ ، أوعن طريق المأذون الذي تفوّضه المحاكم الشرعية ، فيُحدّد مهراً للزوجة، ويضع الطرفين أمام ضوابط حياتيّة تسبق الزواج أو تتبعه ؛ كالمُعجّل، والمؤجّل، ويُعتبر ارتباطاً دائماً ، ونظاماً اجتماعياً يتمتع بقدسية عالية ؛ وعلى مبدأ الاتفاق على الديمومة.

أمّا الزواج المدني فأساسه اتفاق شخصين لم يجمعهما دين واحد أو الانتماء لطائفة واحدة ، ولم ينتظر هذا الاتفاق مباركة الدين ليتمّ، وغالباً ما يكون هذا الزواج حُرّ من كل قيد إلا القانون مستنداً إلى مبدأ العقد شريعة المتعاقدين .

و تجدر الإشارة إلى أن مفهوم الزواج في الإسلام هو نفسه مفهوم الزواج في العالم ، بمعنى أنّه ينشأ عن حالة تُبيح العلاقة الجنسية بين الذكر والأنثى، وهو ليس مجرّد عقد، بل مرحلة ما بعد العقد من مترتّبات وآثار وحقوق وواجبات كالنفقة والطاعة، والعشرة بالمعروف، وحقوق الزوجة والزوج ، وكيفية التعامل ، والعلاقة ما بعد الطلاق، ومسؤولية الأولاد، والعدة ، والإرث … الخ .
وكما سبق و بينا فإن القانون يستمد من مصادر للتشريع ، و في الجمهورية العربية السورية فإن دستور الجمهورية العربية السورية الحالي صدر في 27 فبراير 2012 قد نص في الباب الأول المادة الثالثة على ما يلي : ”
1- دين رئيس الجمهورية الإسلام
2- الفقه الإسلامي مصدر رئيسي للتشريع ” .

و قد نص القانون المدني السوري في المواد 136و137 حيث على أنه ” إذا كان محل الالتزام أو سببه مخالفاً للنظام العام أو الآداب كان العقد باطلاً ” و ” إذا لم يكن للالتزام سبباً, أو كان سببه مخالفاً للنظام العام أو الآداب كان العقد باطلاً ” .

و بالعودة إلى قانون الأحوال الشخصية الصادر بالمرسوم التشريعي رقم / 59 / لعام 1953 الناظم للمسائل الشرعية و الأحوال الشخصية في القانون السوري نجد أن الباب الأول قد تحدث عن الزواج والخطبة فقد نصت المادة / 1 / على تعريف الزواج حيث نصت على ما يلي : ” الزواج عقد بين رجل وامرأة تحل له شرعاً غايته إنشاء رابطة للحياة المشتركة والنسل ” .

و عليه فإن القانون قد نص على شرط أن تكون المرأة ( تحل للرجل شرعاً ) أي وفق أحكام الشريعة الإسلامية حسب ما سبق بيانه من أن الشريعة الاسلامية أحد مصادر التشريع في الجمهورية العربية السورية ناهيك عن كون سورية من دول العالم الإسلامي .

كما نصت المادة / 49 / من قانون الأحوال الشخصية السوري الفقرة / 2 / على ما يلي : ” زواج المسلمة بغير المسلم باطل ” .

كما نصت المادة / 50 / على ما يلي : ” الزواج الباطل لا يترتب عليه شيء من آثار الزواج الصحيح ولو حصل فيه دخول ” .

أما من الناحية الشرعية فإن الرأي الشرعي يحرم الزواج المدني ، حيث أن الدين لا يتجزأ فالإنسان إما أن يكون مسلماً ملتزماً بكافة بتعاليم و حدود الله و إما أن يكون على النقيض .

و لقد أحلّ الإسلام زواج المسلم بالمرأة الكتابيّة التي تؤمن بدين سماوي آخر ؛ كالمسيحيّة أو اليهوديّة مع بقائها على دينها ، حسب صريح نص القرآن الكريم المائدة/4 .

وحرّم ذلك على المرأة المُسلمة والدليل في سورة البقرة/221 .

ومن شروط النكاح في الاسلام : تعيين الزوجين ، ورضاهما ، وأن يعقده الولي أو وكيله ، ووجود شاهدين عدلين من المسلمين .

و في الختام ، لا شك أن معالجة قضية الزواج المدني تحتاج إلى الهدوء والتروي و إلى المعرفة والتمييز والمناقشة الموضوعية بعيداً عن الانفعالات والتعليقات السطحية والسريعة ، فبعض التعليقات عبر وسائل التواصل الاجتماعي تدل على جهل مُخيف للأمور الدينية والحقوقية في شأن الزواج المدني وما يترتب عليه من واجبات وحقوق ، وما يترك من أثر على العائلة والحياة العائلية ؛ و إن مسألة إقرار قانون يسمح بالزواج المدني بشكل ( اختياري ) لا بد أن لا يكون مخالفاً للدستور و القانون إذا ما تم تداول الموضوع بعيداً عن الناحية الشرعية و المسألة لا بد أن تتم بالطريق الدستوري الذي رسمه المشرع وأقره لإقرار التعديل في القانون إذا ما كان التوجه العام للشعب أفراد الدولة اتجه إلى القبول بالزواج المدني ، و بقي أن نختم إلى أن هذا المقال ليس مع الزواج المدني أو ضده إنما هو إشارة إلى الوضع الحالي حسب أحكام القانون السوري النافذ مع إشارة بسيطة إلى موقف الشريعة الإسلامية منه و يبقى القانون النافذ هو المنطبق على الخاضعين له .

المصدر: دمشق الآن